حوار مع الخبير التربوى
عبدالفتاح بورواق حول التعليم
الثانوي

أعده / هشام عبد الحميد الشلوي
المنارة – 17-10-2009
عبدالفتاح خليفة بورواق . مواليد 1956 ليسانس آداب،تاريخ التعين 1981… معلما وإداريا ومديرا لبعض المؤسسات التعليمية ، عضـو ورئيس لجان امتحانات داخل وخارج الشعبية ، مدير مكتب الشؤون التعليمية، عضو لجان متابعة وتحقيق .
من خلال حوارين سبق أن أجريتهما مع الأستاذ مصطفى القزيري والأستاذ منصور الحصادي حول التعليم الإبتدائي والإعدادي على الترتيب ، تبين أن العيوب والمثالب التي تكتنف العملية التربويه والتعليمية كثيرة منها ما يتعلق بالعنصر البشرى ومنها ما يتعلق بالعنصر التقني والمادي أي أن الطالب يخرج من هاتين المرحلتين للمرحلة الثانويه
|

|
|
عبدالفتاح خليفة بورواق
|
وهو على أبواب تعثر شبه محتوم إلا من توافرت لهم ظروف خاصة، وبالتالي نستطيع القول أنكم في التعليم الثانوي تستقبلون مادة بشرية عصية على التشكيل تربويا وعلميا . فما هو تعليقكم على هذه الفرضية ؟
بداية أشير لأهمية ربط مراحل العملية التعليمية دون أن نهمل أى مرحلة من مراحلها أو أن نولي الإهتمام لهذه المرحلة أو تلك ، فالطالب بمرحلة التعليم العام بشقيه الأساسي والمتوسط هو نتاج العملية التعليمية وثمرتها ، و لا أؤمن بأن يتنصل معلم مرحلة معينة من مسؤولية ضمور نتاجه ويلقيها على الذي قبله، فالمسؤولية التعليمية هي تضامنية بين كل الذين تداولت أفكارهم وأيديهم على بناء وإعداد ذلك المنتج وهو (الطالـب) . فعملية تشكيله تتم بمرحلة التعليم الأساسي وتكتمل وتنضج بمرحلة التعليم المتوسط لينطلق الطالب عبرها للمرحلة التاليه ، والعملية التعليمية تسير وتنجز وفقا لطريقين متلازمين ومتوازيين؛ الأول، يمتد بجانبه الإداري والمادي وتشمل اللوائح والقوانين والمباني المدرسية وأصولها المنقولة من معدات وتجهيزات ومناهج مدرسية وتقييم وتقويم وغيرها . وطريقه الثاني يشمل الجانب التربوي ليشكل الطريقان معا مسار العملية التعليمية ونهجها القويم، فيما لو توافقا بشكل هندسي معد ومدروس ومتابع بشكل علمي ممتاز، ولا يمكن الفصل بينهما، إلا أننى أغلّب أهمية الجانب التربوي درجة على ما سواه،، وذلك لما يلقى من إهمال وإستهانة أحدثت فرجة وخللا سلب العملية التعليمية فاعليتها وشلّ حركتها ، فخلال فترة الثمانينات انصب جل اهتمامنا على الجانب المادي بالعملية التعليمية والذي أصابه من الإهمال والتسيب الشىء الكثير، فكانت كل اجتماعات مدراء المدارس مع القائمين على تسيير العملية التعليمية تنصب حول أعمال الصيانة وتجهيزات المبنى المدرسي وما في حكمها ، لقد كان لوح الزجاج والمصباح الكهربائى ومواسير المياه وأسلاك الكهرباء تمثل أولى تطلعات وأحلام مدير المدرسة ــ وبالطبع كانت هذه الأحلام على حساب الجانب التعليمي والتحصيلي والذي تتم مناقشته عقب بند ما يستجد من أعمال ــ وكانت عجوزات المعلمين تسد من باب ملء الفراغ ليس إلا !! ــ بصورة أوضح التركيز على سد العجز الكمي وإهمال العجز النوعي ــ فمثلا كانت اللوائح تنص على عدم إيلاء التخصص أى اهتمام بمواد العلوم في مرحلة التعليم ( الإعدادى ) ـــ رغم وجود التخصص بأرض الواقع ! ـــ فأجبر معلم مادة الاحياء على تدريس مادة الكيمياء والذي لا تتعدى معرفته بها معرفة تلميذه، وكذلك الفيزياء، وهكذا بشكل تعاقبي فتحمل الطالب والمعلم جريرة قسوة وتعنت اللائحة وصلابة مشرعها . ولتكن هذه الأسطر مدخل لحوارنا أو أن نعتبرها مقدمة له ، أما بخصوص سؤالك عن التحاق الطالب بمرحلة التعليم المتوسط وهو غير مؤهل لها من حيث بنيته المعلوماتية، فإني أعدها حقيقة لا فرضية من خلال تراكمات لا نهاية لها أحسبها جريمة أرتكبت بحق الطالب، المتهمون فيها طابور طويل ربما نختلف بمن يكون متصدره، لكننى أجزم حسب قناعتي أن الطالب يأتي بآخره ، ليس مهما أن نحدد المسؤول عن الخلل، لكن الأهم من ذلك أن نحدد موضع الخلل وكيفية علاجه ــ هذا فيما لو توفرت الإرادة لذلك ــ وحتى نكون صادقين مع أنفسنا أولا ومع غيرنا ثانيا وثالثا، فقد أوكلت مهمة تسيير أمانات التعليم سواء بالمؤتمرات أو الشعبيات تصعيدا لأناس لا يفرقون بين الوعاء الزمني ومفردات المنهج، وفيهم من لا تربطه بشؤون التعليم إلا صفته المؤقتة الجديدة فقط ، مع تقديرنا للبعض منهم،الذين أجادوا حسن تسيّير دفة أمور العملية التعليمية ، وقد خرجوا من رحم القطاع،مهما كان عددهم فإنني أدلل على أهمية ذلك من خلال الإشتراطات التي وضعتها اللجنة الشعبية العامة للتعليم مؤخرا لمن يتولون إدارات المؤسسات التعليمية، أبسطها أن يجتاز المتقدم امتحان الإجازة المعد لذلك من قبل الإختصاصيين. فكيف إذا بمن توكل له مهمة تسيير أمانة التعليم بكاملها بقدها وقديدها وهو بعيد عنها كل البعد ؟ لهذا السبب وأسباب أخرى مجتمعة نجد أن الطالب بمرحلة التعليم المتوسط بشكل عام ليست لديه القدرة ولا الحافز على تجاوز سنواته الدراسية إلا بصعوبة بالغة، تساندها في بعض الأحيان دهاليز الدروس الخصوصية وممارسة الغش، هذا فيما لو نظرنا بجدية لقوة المناهج بتلك المرحلة والتي ساهمت هي الأخرى من خلال ما وجه إليها من إنتقادات ولربما لم يكن هذا الطرح مستساغا لدى البعض منا لكنه واقع نتحسسه بشكل واضح وجلي .
تدخلت الدولة عبر عديد القرارات الإدارية لإجراء تعديلات على التعليم الثانوي، كنظام الفصل الدراسي، والقضاء على النظام التقليدي ( الأدبي والعلمي ) واعتماد النظام التخصصي كالعلوم الهندسية والاقتصادية وعلوم الحياة ، فهل هذا التنوع الذي يدل على الثراء في ظاهره يشكل خطوة إيجابية في تطوير التعليم الثانوي أم أنه مجرد عناوين لا ثمار لها ؟
هناك محاولات تبذلها الدولة للرقي بالعملية التعليمية لكنها ترتكز على الجانب المادي بالدرجة الأولى، وصلت لحد الإفراط والغلو والمبالغة، كأنما هي عملية تعويض لما لحق وحاق بقطاع التعليم في الماضي ، وتدخلات الدولة هي من صميم مهامها المنوطة بها للرقى بهذا القطاع ، والتغيير شىء جيد ومطلوب، والسكون والركود ليس ميزة ، لكنه يبقى غير ذلك فيما لو جاء بشكل ارتجالي وغير مدروس ، إن حالة اللاثبات وعدم الإستقرار التي طالت العملية التعليمية وتغيراتها العديدة والمتعددة أفقدت تلك التغيرات مميزاتها وأفرغتها من محتواها ، فقد ألغت الدولة نظام التعليم
المزيد