مسراته عبر التاريخ
من أرشيف موقع جيل
محمد حسن المنتصر
2009/12/26

مسراتة منطقة تبلغ مساحتها حوالي 2000 كم تقع في شمال غرب ليبيا علي البحر الأبيض المتوسط، في الزاوية الشمالية الغربية لخليج سرت. يحدها من الشمال: البحر الأبيض المتوسط، ومن الشرق: خليج سرت، ومن الجنوب: السبخة ومنطقتي تاورغاء وورفلة، ومن الغرب منطقة زليتن.
ويبعد مركز المنطقة إماطين الذي يعرف الآن بمدينة مسراتة عن مدينة طرابلس شرقا مسافة 211 كم، وعن مدينة بنغازي غربا مسافة 825 كم، وتبلغ المسافة بحراً بين ميناء مدينة بنغازي وميناء قصر أحمد بمسراتة مسافة 244ميل بحري.
وتقع مدينة مسراتة (إماطين) علي خط طول °13,15 شرقاً وخط عرض °32,22 شمالاً، ويقع ميناء قصر أحمد علي خط طول °15,6 شرقاً وعلي خط عرض °32,23 شمالاً.
إسم مسراتة: معناه وتاريخه
اسم مسراتة من أين جاء:
جاء اسم مسراتة من قبيلة مسراتة اللهانية الهوارية التي استقرت بالمنطقة، والتي ذكرها اليعقوبي في سنة891 في كتابه (البلدان) في معرض حديثه عن بطون هوارة في طرابلس، وقال أن بنو مسراتة وبنو ورفلة من بنى اللهان من بطون هوارة (1)، وذكر ابن خلدون في تاريخه الذي ألفه في أواخر القرن الرابع عشر مسراتة وقال: " ومن هوارة هؤلاء بآخر عمل طرابلس .. قبيلة يعرفون بمسراتة" (2)، وآخر عمل (إقليم) طرابلس هو تاورغة عند اليعقوبي (3)، وقصر أحمد عند ابن سعيد (4) ومن خلال معرفة عمل طرابلس نتأكد من أن القبيلة التي ذكرها كل من اليعقوبي وابن خلدون، قد أقامت بنفس منطقة مسراتة الحالية، وأن اسم المنطقة جاء من اسمها بحكم إقامتها بها، فعرفت المنطقة به.
ومما يؤكد صلة قبيلة مسراتة الهوارية بمنطقة مسراتة، أن المنطقة عرفت أيضا باسم هوارة، كما عرف مرسى قصر أحمد في العصور الوسطى باسم مرسى هوارة (5)، وقد ظل سكان تاورغاء والبادية حول مسراتة حتى الستينات من القرن العشرين يسمون مسراتة وسكانها باسم هوارة.
وتحمل اليوم عدد من المناطق أسماء قبائل من هوارة ذكرها ابن خلدون في تاريخه، منها ورفلة وترهونة ومسلاتة وغريان (6).
والرسم الصحيح للاسم هو مسراتة بالسين كما ذكره وكتبه الجغرافيون العرب القدامى، وكذلك أهل مسراتة الذين ظلوا يكتبونه في وثائقهم بالسين حتى منتصف القرن التاسع عشر إفرنجي، ثم كتب بعد ذلك بعدة صيغ في العهد العثماني الثاني منها مصراطة بالصاد والطاء ومسراطة بالسين والطاء، ثم كتب الاسم مصراتة بالصاد كما يكتب الآن.
معنى اسم مسراتة
أصل إسم مسراتة هو (مسر) أما الألف والتاء فهما إضافة للجمع عند العموم في اللهجات الأمازيغية، والهاء أيضا إضافة للجمع.
فمن ما يقابله في العربية الفصحى جمع المؤنث السالم، وقد ذكر ابن خلدون هذا الجمع في معرض حديثه عن اسم قبيلة لواتة (بنى لو) (7)، ومن أمثلة هذا الجمع في الأمازيغية جموع الكلمات الآتية:
الكلمة: رمَّتْ
معناها: هيكل الحيوان
جمعها: رَمَّات
الكلمة: هَدِيَتْ
معناها: الهدية
جمعها: هدِيَات
الكلمة: تَماقْ
معناها: لباس الرجل
جمعها: تَمَقات
الكلمة: بَجَّاوْرَت
معناها: وبر، حشو، لبده
جمعها: بَجَّورَاتْ (8)
والمصدر (مسر) = المصدر (مصر) وهو مصدر مشترك ما بين اللغات العروبية القديمة، فالمصدر (مسر) في النقوش السبئية اليمنية يعني الطمي (طين السيول) (9) وهو نفس ما يعنيه المصدر (مصر) في اللغة الفصحى كما ورد في لسان العرب، ويعني أيضا المدينة، فنقول مصرت الأمصار في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أي بنيت مدن الكوفة والبصرة والفسطاط، فيطلق على كل منها اسم مصر وجمعه أمصار (10)، ولازال المصريون يسمون مدينة القاهرة التي بنيت بجوار الفسطاط باسم مصر.
متى عرفت المنطقة باسم مسراتة
أرجح أن ذلك كان بين منتصف القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر واستخلصت ذلك من خلال نصين من كتابين:
الأول: كتاب نزهة المشتاق في اختراق الأفاق للإدريسي الذي ألفه في سنة 1154 ولم يذكر فيه اسم مسراتة على الرغم من ذكره مكانين بها هما طرف قانان ( قصر أحمد ) وسويقة ابن مطكود (11).
الثاني: كتاب الجغرافيا لابن سعيد المغربي وفيه ذكر قصور مسراتة وقال أنها تمتد على نحو 12 ميلا في زيتون ونخيل (12)، وكان مر بالمنطقة متجها إلى مصر في عام 638 ﻫ (1240) (13).
ومن خلال المقارنة بين النصين يتضح أن مسراتة عرفت باسمها في القرن الثالث عشر، ويمكن القول أن ذلك تزامن مع تغير مسار طريق الحج الذي صار يمر بها بعد أن كان مساره يقع في جنوبها، ولذلك أصبح اسمها يتردد على ألسنة الحجاج والرحالة الذين مروا عبر هذا الطريق، فعرفت المنطقة به واشتهر.
وما قاله ابن سعيد يؤكد أن المنطقة كانت تسمى بقصور مسراتة، ثم حذفت كلمة قصور بمرور الزمن وبقي اسم مسراتة فقط علماً على المنطقة، ونجد الرحالة العبدري يذكرها في كتاب رحلته باسم بلاد مصراطة عند مروره بها ذاهباً إلى الحج في سنة 1289، وذكرها في إيابه باسم مصراتة فقط (14).
وبالنسبة إلى قصور مسراتة التي ذكرها ابن سعيد فهي حصون صغيرة يتكون كل منها من طابقين أو أكثر في وسطه باحة تطل عليها غرف القصر التي تستعمل في تخزين الطعام والصوف وأغراض أخرى تخص أصحاب القصر، كما يستخدم في التحصن عند الخطر، وتحولت مواقع بعض القصور إلى قرى عندما أقام السكان بيوتهم حولها، كما حدث مع سويقة ابن مطكود التي كانت في الأصل قصر لابن مطكود.
وقد توزعت قصور مسراتة على مسافة يزيد عرضها على 22 كم، بعضها متقاربة وأخرى متباعدة، يقام بجانب بعضها سوق إسبوعي أو شهري يجتمع فيه سكان المنطقة والمناطق المجاورة للبيع والشراء والحديث في شؤونهم الخاصة والعامة.
وقد اندثرت آثار هذه القصور في داخل قرى مسراتة، ولكنها مازالت موجودة في برية مسراتة مثل قصري دراق والوسيع بوادي ميمون.
إماطين مركز مسراتة القديم
إماطين اسم مكان في مسراته يشكل اليوم مركز مدينة مسراتة، كانت به عدة قرى منها قرية معروفة بنفس الإسم، ويرجع تاريخ إماطين إلى أكثر من خمسمائة عام وينسب إليها أبو الحسن الماطوني المطردي نسيب الشيخ عبد السلام الأسمر وجد ابنه عبد الحميد(15) وقد ذكر المؤرخ الشيخ عبد السلام بن عثمان التاجوري إماطين في عام 1094 ﻫـ (1633) في كتابه الإشارات عند حديثه عن الصالحين بمسراتة فقال: "والشيخ عبد الله بن شتوان … قرب المواطين. وفيها سيدي حسين أبوعليم"(16).
واسم إماطين محور عن الإسم الأصلي الأمازيغي المكون من مقطعين هما:
أمان: وتعني الماء في الأمازيغية لغة هوارة، وينطق الماء في لهجة سكان مسراتة (إميه).
تين: وتعني البئر في لغة هوارة وهو نفس الإسم المستعمل عند طوارق الأزقر والهقار(17) الذين يرجع أصلهم إلى قبيلة هوارة، و
المزيد