هيبة السلطة القضائية
كتبهافتح الله سرقيوه ، في 3 نوفمبر 2009 الساعة: 06:49 ص
هيبة السلطة القضائية
2009-11-03
صحيفة قورينا
<!– ![]() |
فائزة الباشا
الموضوعات التي أريد الكتابة عنها هذا الأسبوع متعددة لتزاحم الأحداث والمواقف مثل قضية دار رعاية البنات التي نالت قدراً وافيا من اهتمام الإعلام الإلكتروني والمرتبطة بحقوق المكفولين والأسر البديلة ومن بينها مؤسسات دور الرعاية وقدرتها على الاطلاع بدورها ، وموضوع الشهرة بطريق النقد الجارح رغبة في التعريف بمقالات لا يعرف كاتبها إلا إذا وجه النقد غير الموضوعي في حين أن مقاله قيم و يتعين عليه المساهمة لنتجاوز معا حالة التخلف الثقافي إلا أن الطريق الأسهل هو ثقافة التجريح كوسيلة سريعة ومكفولة والغاية تبرر الوسيلة .
أما الموضوع الثالث والذي لا يقل أهمية فيرتبط بالثاني ويتعلق بفن كتابة المقال لأن ما يعرض فيه يجب أن يكون معبرا عن فكرة أو أكثر ولكن بأسلوب موجز لا معمق وفق المتبع بمنهجية البحث العلمي المتعارف عليها ، إلا أن موضوعات العدالة هي دائما صاحبة الكلمة الفصل لما لها من تأثير على استقرار الحياة وتوازنها لا للمجتمع فحسب بل لانعكاسها المباشر على الأفراد و طريقة تعاطيهم وتفاعلهم معها ، فكان موضوع الثقة في السلطة القضائية ودوره فى ترسيخ قيمة احترام مكانتها ؛ وبالتالي ما يصدر عنها من أحكام؛ فلا ثقة لمن لا تحترم أحكامه، أو يتدخل لدى الغير لقضاء مصالحه أو مصالح أقاربه ، وهؤلاء وأن كانوا قلة إلا إن طبيعة دورهم تؤثر على السلطة القضائية بأكملها ، مما يفرض علينا اتخاذ إجراءات فاعلة في مواجهة غير الأهل لتولي مهمة القضاء سواء أكان واقفا و نقصد بهم أعضاء جهاز النيابة العامة أو جالسا و نقصد بهم القضاة ، فالثقة تتولد من شعورنا بقيمة الاحترام و هيبة القضاء وهذا ما سيولد الرهبة والخشية ، وهو ما لن يتأتى إلا إذا توافرت الشروط الموضوعية من حيدة و نزاهة في أعضاء السلطة القضائية ، و هو ما كفله القانون الذي حظر عليهم الدخول في معاملات لها علاقة بالقضايا المعروضة عليهم ، كما ألزمهم بالتنحي عن القضية إذا كان لهم مصلحة أو ارتبطوا بصلة قربى بإحدى أطرافها .
إلا أن بعض أعضاء هذه السلطة تأثروا بالثقافة المجتمعية السائدة ؛ فأحلوا العلائقية القائمة علي الروابط المجتمعية أو الروابط المصلحية التي لا يتوانى أصحابها عن شراء الذمم بالتلاعب فى الحقائق و تزييفها لمصلحتهم ، محل تطبيق القانون مما تسبب فى إهدار هيبة القضاء والثقة فيه ؛ والتي من بين أسبابها الموضوعية والشخصية نذكر : عدم تأهيل منتسبي هذه السلطة لعدم مراعاة شروط الكفاءة ، أو عدم تنفيذ الأحكام ، فكيف نطلب من مواطن أن يشعر بنزاهة و عدالة القضاء إذا تحصل على حكم اكتسب القوة التنفيذية و لم يتمكن من تنفيذه رغم مرور فترة زمنية ليست بالقصيرة ؛ فهذا حكم له بالتعويض ضد الدولة ، وآخر حكم له باسترجاع عقاره ، و سيدة حكم لها و لأطفالها بالنفقة علي زوج ليس له دخل رسمي ، أو تهرب من السداد بطريق التحايل ، كما لا عدالة فى رفض اللجان ذات الطبيعة القضائية منح أصحاب الحق نسخة عن قرارها ليتمكنوا من الطعن فيه .
أما عن آلية إدارة المحاكمات فحدث ولا حرج ؛ فالمحضرون يتلاعبون بالإعلانات لإنهاك المدعين أو لغاية فى نفس يعقوب ، وبعض القضاة يتأخرون فى عقد جلساتهم التي لا يتم الإعلان عن ساعة انعقادها مسبقا مما يرهق المتقاضين والمحامين وكيف هي حال الموقوفين ، ألا يؤثر ذلك في احترامنا للسلطة القضائية لأن بعض أعضائها غير قادرين على الانفصال عن حالة التسيب و الفوضى الإدارية التي يعيشها جهازنا الإداري ، و قد لا نلوم البعض منهم لأن المجتمع لم يوفر لهم الخدمات اللازمة التي تمكنهم من الاضطلاع بدورهم بمرونة و قوة تنأى بهم عن الإحباط ، لأن الأكفاء تم مساواتهم بمتوسطي أو محدودي أو عديمي الكفاءة ، و لا أريد أن أقول القدامة وحديثي العهد بهذه السلطة لأن البعض يلقي باللوم على من انضموا إليها من الشباب .
إلا أن الواقع يؤكد أن من بين هؤلاء من أثبت كفاءته وجدارته و هو أيضا لم ينل التقدير في حين تفوق عليه لأسباب شخصية أصحاب العلاقات أو من لهم القدرة على التسلق والتملق الأقل كفاءة ، و هذا ما يؤثر سلبا لا على هذه السلطة فحسب ، بل وعلى نهضة المجتمع و تنميته ، فلا تنمية في وطن لا تنفذ فيه الأحكام فور اكتسابها الحجية بتلقائية ، ولا تنمية في غياب أحد أهم مقومات نجاح الإدارة وهو التمييز بين الأشخاص بالنظر لكفاءتهم لا لانتماءاتهم أو جنسهم ، والنتيجة أن لا تنمية في غياب هيبة القضاء لفقدانه الثقة و هي المعول الأساسي للبناء و النهوض ، والتي لا تتولد إلا بأداء كل منا لدوره بكفاءة و نزاهة و موضوعية وصولا للعدالة الحقة .
لذلك لا هيبة لقضاة تحايل بعضهم ليتمكنوا من قضاء إجازتهم القضائية بعد أن رٌفض اقتراحهم بالخصوص ، فقاموا بتوزيع القضايا على الأسبوعين الأول و الأخير من شهري 7-8 مما عطل جهاز القضاء لمدة 46 يوماً [بالاستئناف العالي ] فهل نلوم القضاة أم الإدارة التي لا تتمتع بالمرونة الكافية لتسهم في تطوير العمل و الرفع من كفاءة أعضائه كي لا يشعروا بالإحباط واللامبالاة؟ و قبل أن نسأل عن مكاننا من المبادئ والمعايير التي تشكل فى مجملها منظومة متكاملة للإصلاح القضائي نذكر بما رواه أبو داود و غيره عن النبي عليه الصلاة و السلام الذي قال : "القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار ، فأما الذي في الجنة رجل عرف الحق فقضى به ، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار ، و رجل قضى للناس على جهل فهو في النار " ، وعنه عليه الصلاة والسلام : ( إن الله مع القاضي ما لم يجر (يظلم) فإذا جار تبرأ منه و ألزمه الشيطان "، كما نهانا عليه الصلاة والسلام عن الحكم تحت تأثير حالة الاضطراب النفسي فقال عليه الصلاة و السلام : ( لا يحكم أحدكم بين اثنين وهو غضبان) وألزم القضاة بتحري الصدق و التحلي بمكارم الأخلاق ، مصداقا لقوله تعالي : " وأن أحكم بينهم بما أنزل الله و لا تتبع أهواءهم و احذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك " المائدة (44) ، صلوات الله عليك و سلامه يا رسول الله .
إذ ساويت بين القضاء بجهل و عدم معرفة ، والقضاء عن علم لأن ثوب القضاء يجب ألا يلبسه إلا من توافرت فيه الفعالية والكفاءة فضلا عن الاستقلال و النزاهة و هي المعايير الدولية التي عرفت بمبادئ القضاء الصالح ، وقد اتخذت كمؤشرات لقياس وتقويم وضع السلطة القضائية في أي دولة ، ونتج عنها مبادئ فرعية ، فارتبط مبدأ الاستقلال بوجود الضمانات الدستورية و القانونية التي تكفل لمؤسسة القضاء الاستقلال المؤسسي وكذلك الاستقلال الشخصي - الذي للأسف بات محدودا - ضمانا للاستقلال الوظيفي ، إلي جانب حرية التعبير ، وحرية تكوين الجمعيات المتخصصة و النوادي ، أما النزاهة فتمثل العامل الأساسي في بناء ثقة المواطن بالقضاء وهو ما يشجعه على اللجوء إليه واحترام أحكامه .
و لقد اعتبرها الخبراء المحور الأهم في القضاء الصالح وعبروا عن ذلك بقولهم إنها : " نقطة الارتكاز التي تجسد العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع " ، وهي بذلك الشرط المفصلي لهيبة القضاء الذي لن يتحقق إلا بالنزاهة المؤسسية لجهاز القضاء ( الجالس ـ و الواقف ) و النزاهة الشخصية القائمة علي الحيدة و الموضوعية و النزاهة الإجرائية التي تلزم باحترام قواعد المحاكمة العادلة من شفافية و علانية وسرعة و أخيرا فورية تنفيذ الأحكام ، فجميعها عناصر تتكامل بتوفر مبدأ كفاءة السلطة القضائية وفعاليتها من أجل أن يكون القضاء قادراً على تقديم الخدمة العامة المتمثلة فى تطبيق القانون وتحقيق العدالة ، و هو ما يستدعي تحديث هذه السلطة لا وفق برامج مشخصنة من قبل رجال القضاء أنفسهم بل برامج يشترك فيها جميع المختصين و المهتمين من محامين أكفاء وأساتذة وكذلك أفراد مجتمع مدني مهتمين بالسلطة القضائية خاصة والشأن العام عموما .
و يجب ألا يقتصر الأمر على رجال القضاء من قضاة وأعضاء النيابة العامة لأن جهاز العدالة يتطلب دعم و تطوير قدرات المساعدين القضائيين من كتاب المحاكم و المحضرين والأعوان لأهمية دورهم ، إلا أن ما سيكفل الوصول إلى الفاعلية هو التشريعات المناسبة ، الأمر الذي يتطلب سن قوانين إجرائية واضحة وفعالة لضمان إدارة شفافة للمحاكمات في مدد زمنية مناسبة تتجاوز الموت السريري للعدالة وتحول دون فقدان الثقة في السلطة القضائية ، و بالتالي هيبتها و مكانتها ، فأين السلطة القضائية في ليبيا من تلك الاشتراطات؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مجتمع مدني | السمات:متابعات رقابية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج





















المناضلون الليبيون في طريقهم إلى المعتقل "محمد الصالحين سرقيوه - منصور محمد سرقيوه" - تاريخ الاعتقال 1931


















